মাদরাসায় যেসমস্ত অনুদান গ্রহন করা হয় সাধারণ দান  যাকাত সাদাকাত  কোরবানীর চামড়া ও উহার মূল্য 

অনুষ্ঠিত হলো জামিয়ার মাসিক তরবিয়তী মজলিস

فاتقوا الله في السر والعلن

فاتقوا الله في السر والعلن
​هذه موعظة حسنة، وجَّهها الشيخ الجليل العلامة عبد الغفار —حفظه الله ورعاه— للأساتذة والطلاب، في مسجد الجامعة بعد صلاة المغرب ليوم الجمعة الموافق ٢٠ / ١١ / ٤٧ من الهجرة النبوية. وقد كان لهذه الموعظة أثر بليغ ووقع عظيم في نفوس الحاضرين جميعاً، فأحببنا نشرها وإشاعتها في موقعنا الإلكتروني هذه عموماً للإفادة، والله هو الموفق والمعين.

​الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى. أما بعد:
فأعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: {رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}.
​أيها الأساتذة الكرام، والطلاب الأعزاء، والحاضرون جميعاً!
الحمد لله رب العالمين الذي اصطفانا من بين آلاف البشر لنتشرف بالجلوس في روضة العلم والدين، فله جل وعلا جزيل الشكر والحمد من صميم القلوب وأعماق الأفئدة.
​اعلموا —طلبتي الأحباء— أن القناعة صفة محمودة في تحصيل المال، لكنها مذمومة في تحصيل العلم؛ بل إن الاستزادة من المعرفة مطلب شريف حث عليه الشارع الحكيم. ولذا أمر الله سبحانه سيد المرسلين وخاتم النبيين —الذي آتاه علم الأولين والآخرين— بطلب الزيادة في العلم فقال عز من قائل: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا}. ألا وإن للعلم مهمات وضروريات لا بد منها، ومنها:
​أولاً: المجاهدة وبذل الجهد:
فكم من الغالي والنفيس بذل أكابرنا، وكم اجتهد أسلافنا حتى صاروا لنا اليوم أئمة يُقتدى بهم. وانظروا في ذلك إلى الإمام محمد بن إسماعيل البخاري —رحمه الله—؛ إذ خرج في صغره مع أمه وأخيه أحمد إلى الحج، فلما قضوا تفثهم وأدوا مناسكهم، قفل أخوه وأمه راجعين، واستمسك هو بمكة المكرمة شغفاً بالعلم وطلباً للحديث النبوي. ثم جعل يضرب في الآفاق، ويتردد على الفحول من العلماء، يسمع السنن ويحفظها، حتى غدا من أعظم أئمة الحديث في تاريخ الإسلام، وصنف كتابه الفذ “صحيح البخاري” الذي تلقته الأمة بالقبول العام؛ ألا إن في ذلك الجهد الباهر لعبرةً لأولي الأبصار.
​ثانياً: التقوى:
وهي ركيزة أساسية لطالب العلم، وإلا كان علمه جسداً ميتاً لا روح فيه، لا يقيه من مقارِف الذنوب في الدنيا، فكيف يحميه من جحيم الآخرة! ولا يستطيع المرء العمل بعلمه ولا تعليمه الناس إلا بالتقوى، فحقٌّ على طالب العلم أن يلوذ بحصن التقوى، ويجتنب الفواحش والمعاصي كُلَّها، ولا سيما ذنباً مخصوصاً يورث بلادة الذهن، ويُنسي العلم، ويجعل المرء يسمع الدرس فلا يعي منه شيئاً؛ ذنبٌ يرتكبه صاحبه ولا يراه خطيئة، ويحسب أنه يحسن صنعاً، مع أنه سبب في اللعنة وفساد الطاعة، ألا وهو: زنا البصر وخيانة الأعين، فمن أطلق نظره فقد ألقى بنفسه إلى التهلكة. فاحفظوا —أبنائي— عيونكم، وغضوا أبصاركم، وأقصروا عن ذنبكم، فإن الله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. واذكروا ما قاله شيخي حكيم أختر —رحمه الله تعالى—: “ما من نعمة أنعمها الله عليّ إلا وكان سببها محافظتي على عيني”، فكونوا يا طلبتي في حالٍ لا تكتب فيها الملائكة في صحائفكم إلا ما سلف من صالح أعمالكم، فعسى أن ينالكم رضا الله، ويستقر العلم في صدوركم.
​ثالثاً: الأدب:
وهو من آكد ضروريات العلم التي لا غنى عن التحلي بها. اسمعوا —طلبتي— ما أسمعني إياه أستاذي مولانا ولي حسن التنكي؛ حيث حكى أنه كان هناك تلميذ متوقد الذكاء، غزير العلم، لكنه كان نِكس الخُلق، قليل الأدب والحلم، وكان ديدنه سؤال الأستاذ تعنتاً ليوقعه في الضيق والحرج. فذات يوم، فضاق الأستاذ ذرعاً بصلفه وسوء خلقه، فقال له: “تقود الحمار غداً!”. ودارت الأيام، فإذا بالأستاذ يرى بعد سنة رجلاً يقود حماراً، فلما أبصره التلميذ القديم أقبل يشتد حتى انكبَّ على رجلي أستاذه يقبلهما، فقال له الأستاذ: من أنت؟ قال: أنا تلميذك الذي قلت له كذا وكذا. فقال الأستاذ مبهوتاً: سبحان الله! كيف وافقت كلمتي القدَر الحتوم! ثم سأله عن حاله، فقال: تركت طلب العلم، ثم مات أبي وتوليت شؤون أهلي، فما شرعت في عمل إلا وحقت علي الخسارة، حتى آل بي الحال إلى ما ترى؛ وذلك لكوني ضيعت الأدب بين يديك، ولم أبالِ بنصحك.
​فيا أبنائي! أفلا تنظرون كيف حُرِم هذا الذكي من بركة العلم؟ وكيف زلَّ ذلك الألمعي السابق في درب المعرفة فضلَّ وضاع؟! أيها الحاضرون! اطلبوا العلوم واغرقوا في بحورها الزاخرة، واستخرجوا منها الياقوت والجواهر، والزموا هذا الدرب بلا فتور، ودوموا عليه حتى يأتكم اليقين، ولذا قيل في الأثر: “اطلب العلم من المهد إلى اللحد”، فمن لزم ذلك آتاه الله أجراً عزيماً وعلمًا كاملاً.
​ثم اعلموا —إخواني الطلبة— أن العلم الكامل الذي تبتغونه اليوم ينقسم إلى قسمين:
(١) علم المبادئ (الآلات)، (٢) علم المقاصد.
ومن تمام الحذق في القسم الأول: أن تنالوا المهارة والملكة في الكتب التي صُنِّفت فيه، وأن تملكوا القدرة على التأليف والمطالعة، وهذا مطلب لا بد من الإحاطة به. أما الكمال في علم المقاصد: فهو أن تحصلوا العلوم حيازاً وتدبراً بحيث يرتفع التعارض بين الكلمات، ويزول التناقض في ضوء الآيات، وهذه هي الدرجة الكبرى، والغاية العليا المطلوية، فاجتهدوا في نيلها.
​واعلموا أن طالب العلم لا يكون راسخاً في علمه إلا بتوافر أربعة شروط:
​الشرط الأول: التقوى بينه وبين الله:
بأن يخشى الله في سره وعلانيته، وينطوي قلبه على يقين راسخ بأن الله يرقبه في كل حين وكل آن.
​الشرط الثاني: التواضع بينه وبين الخلق:
بأن يكون ديدنه التواضع في خُلقه وخَلقه، ومسيره ومصيره، بعيداً عن الخيلاء والتفاخر. واقتدوا في ذلك بمثالين عظيمين:
١- شمس الحق فريدبوري —رحمه الله—؛ من هو؟ وما أدراكم ما هو؟ هو الذي شهد بفضله الثقلان، وأقر بعلمه وحلمه وتواضعه الإنس والجان، وكان مع ذلك يكتب قبل اسمه كلمة “ناچيز” (أي: لا شيء) تزكيةً لنفسه وهضماً لها.
٢- ما ذكره العلامة شبير أحمد العثماني قال: إن شيخ الهند محمود حسن الديوبندي خدم الحديث الشريف تدريساً طوال خمس وثلاثين سنة، ومع هذا المدى الطويل لم يقل مرة واحدة: “يه ميري تحقيق ہے” (هذا رأيي وتحقيقي تفرداً)، مع أنه كان أستاذ الفحول كالأستاذ الكشميري والتهانوي وخليل أحمد السهارنفوري. فلله در القائل:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم … إذا جمعتنا يا جرير المجامع
ولأجل هذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تواضع لله رفعه الله».
​أما طريق تحصيل التواضع: فإنكم تعلمون أن الكمالات فيكم بعضها حاصل وبعضها غائب، والغائب أكثر بكثير من الحاصل؛ فعليكم دائماً أن تنظروا إلى ما فاتكم ولم يحصل فيكم، فتستشعروا التقصير، ويلين فعلكم للتواضع، وتنكسر أنفسكم في العمل، وهذا أقرب طريق لنيل التواضع بيُسر.
​الشرط الثالث: الزهد بينه وبين الدنيا:
بأن يتجافى طالب العلم عن زهرة الحياة الدنيا وزينتها، ويرغب بقلبه في الآخرة ومنازلها، ويتخذ إلى مرضاة الله سبيلاً.
​الشرط الرابع: المجاهدة بينه وبين نفسه:
وهي في اللغة بذل الطاقة، وفي الاصطلاح: مخالفة هوى النفس. قال الإمام البغوي: “هذه الخصال الأربعة من توافرت فيه رزقه الله تعالى الرسوخ في العلم”.
​ثم اذكروا أن من أوجب الواجبات على طالب العلم: أن يلهج بالدعاء والتضرع إلى الله بكرة وعشياً، ولا سيما دعاء إبراهيم —عليه الصلاة والسلام— الذي كان صديقاً نبياً: {رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}. قال العلامة الألوسي —السيد محمود البغدادي صاحب روح المعاني—: “الأولى أن يُفسَّر (الحكم) هنا بكمال العلم”، وكمال العلم لا يحصل بحق إلا بصحبة الصالحين.
​ولكن من هو الصالح؟ قال الإمام النووي —رحمه الله—: “هو القائم بحقوق الله وحقوق العباد”. وقال الإمام الألوسي —رحمه الله—: “الصالح هو الكامل الراسخ في الصلاح، الذي لا يفوته فرض ولا نفل، ولا عدل ولا صرف”.
​فالدعاء ولزوم الصالحين من أوجب الواجبات؛ فينبغي للطالب أن يصحب العبد الصالح الذي يحثه على الخيرات ويرغبه فيها، ويطابق بين علمه وعمله في الصالحات، ويحذر كل الحذر من جليس السوء الذي يجره إلى المكروهات والمنكرات، ولذا قيل في الحِكَم: “الوحدة خير من جليس السوء، والجليس الصالح خير من الوحدة”، لأن المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل.
​وقد ذكر العلامة هداية الله —رحمه الله— أن من المسؤوليات الأربعة المذكورة في القرآن الكريـم التي بعث الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم: تزكية النفس؛ إذ لا يكون علم الوحي والنبوة نافعاً للعبد إلا بتزكية نفسه. فمن تعلم علم الدين ولم يتأدب بآدابه ولم يتَدين به، لم يكن علمه منجاة له من النار. ومن تعلم علم الشريعة ولم يزكِ نفسه فعلمه ميت لا حياة فيه؛ وإن حصل على رسم علم النبوة، فإنه يُحرَم نور النبوة وبركتها. فزكوا —أيها الأبناء— نفوسكم، وطهروا قلوبكم مما يسخط ربكم، والزموا أولياء الله الصادقين الذين يطهرونكم ويرشدونكم إلى ما فيه صلاحكم.
​وخلاصة ما سلف ذكره:
أن ضروريات العلم ثلاثة: (١) المجاهدة، (٢) التقوى، (٣) الأدب.
وأن شروط الرسوخ في العلم أربعة: (١) التقوى بين العبد وربه، (٢) التواضع بينه وبين الخلق، (٣) الزهد بينه وبين الدنيا، (٤) المجاهدة بينه وبين نفسه.
وأن واجبات طالب العلم ثلاثة: (١) الدعاء والتضرع، (٢) صحبة الصالحين، (٣) تزكية النفوس.
​فيا أبنائي! اشغلوا أنفسكم بالطيبات والطاعات، وإلا اشغلتكم بالسيئات والمنكرات، واعبدوا رب الأرض والسماوات، واجعلوا العبادة شيمتكم الدائمة، وتدرجوا في منازل القرب ودرجات القبول بالمجاهدة والتقوى والأدب وغيرها من الضروريات، واستبقوا الخيرات.
​وفقنا الله وإياكم، وأفاض عليكم أضعاف ما ترجون وتقدرون من الأعمال الصالحات، آمين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *